إنما يقيل في الشعر " إنه يرفع من قدر الوضيع الجاهل ، مثل ما يضع من قدر الشريف الكامل ، وإنه أسنى مروءة الدنى ، وأدنى مروءة السرى " لأمر ظاهر غاب عن بعض الناس فتأوله أشد التأويل ، وظنه مثلبة وهو منقبة وذلك أن الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به ، مثل ما يضع من قدر الشريف إذا اتخذه مكسبا ، كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني بامتداحه النعمان بن المنذر ، وتكسبه عنده بالشعر ، وقد كان أشرف بني ذبيان هذا ، وإنما امتدح قاهر العرب ، صاحب البؤس والنعيم ، وكاشتهار عرابة الأوسي بشعر الشماخ بن ضِرار ، قد بذل له في سنة شديدة وسق بعير تمرا فقال :
رأيتُ عرابة الأوسي يسمو /// إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ/// تلقاها عرابة باليمين
حتى صار ذلك مثلا سائرا ، وأثرا باقيا ، لا تَبْلى جِدته ، ولا تتغير بهجته ، وقدح ذلك في مروءة الشماخ ، حط من قدره ، لسقوط همته عن درجة مثله من أهل البيوتات وذوي الأقدار.
فأما من صنع الشعر فصاحة ولسنا ، وافتخارا بنفسه وحسبه ، وتخليدا لمآثر قومه ، ولم يصنعه رغبة ولا رهبة ، ولا مدحا ولا هجاء ، كما قال أبو الحسن أحسن الله إليه :
وجدتُ طريق البأس أسهل مسلكاً /// وأحرى بنُجْح من طريق المطامع
فلستُ بمطرٍ ما حييت أخا ندى // ولا أنا في عرض البخيل بواقع
فلا نقص عليه في ذلك ، بل هو زائد في أدبه ، وشهادة بفضله ، كما أنه نباهة في ذكر الخامل ، ورفع لقدر الساقط وإنما فضل امرؤالقيس - وهو من هو- لما صنع بطبعه ، وعلا بسجيته ، عن غير طمع ولا جزع
العُمده في محاسن الشعر وآدابه ونقده
الجزء الأول
تأليف
أبي على الحسن بن رَشِيق القيرواني الأزدي