الصرف في اللغة :
الصرف لغة: مأخوذ من المادة المعجمية ( ص ر ف ) ومن ذلك قولهم : لا يقبل منه صرف ولا عدل … وقولهم : لأنه ليتصرف في الأمور … وصرْف الدهر حدثانه ونوائبه . ، وغيرها من التراكيب اللغوية التي تدل على معنى التحويل والتغيير والانتقال من حال إلى حال .
أما في الاصطلاح :
فهو تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة لمعان مقصودة ، لا تحصل تلك المعاني إلا بهذا التغيير . وذلك كتحويل المصدر " إلى الفعل والمضارع إلى الأمر ، وغيرها مما يمكن أن نتوصل إليه من مشتقات تتصرف عن الكلمة الأصل كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة ، وغيرها ، وهو إلى جانب ذلك علم يبحث فيه عن المفردات من حيث صورها وهيئاتها ، أو من حيث ما يعرض لها من صحة ، أو إعلال ، أو إبدال .
ــــــــــــ
ويحسن أن نستعرض – بشيء من الإيجاز – آراء عدد من اللغويين القدماء في هذا المجال .
1-يقول ابن عصفور : علي بن مؤمن ( 597-669هـ)
الصرف " معرفة ذوات الكلم في نفسها من غير تركيب "
وجلي أنه – بهذا التحديد – يلتقي مع المفهوم الحديث لعلم الصرف الذي يقصر وظيفته على دراسة مستوى الكلمة في ذاتها بصرف النظر عن علاقتها مع غيرها .
ثم يؤكد هذا التحديد لوظيفة علم الصرف من خلال تقسيمه هذا العلم إلى قسمين :
أحدهما :
جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني ، نحو : ضَرَب وضَرْب وتضارب ، واضطرب . فالكلمة هي مركبة من ( ضاد ، وراء ، وباء ) قد بنيت منها هذه الأبنية المختلفة لمعاني مختلفة ، ومن هذا النحو اختلاف صيغة الاسم للمعاني التي تعتوره من التصغير والتكبير نحو : زييد وزيود.
الآخر :
تغيير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالاً على معنى طارئ على الكلمة . نحو تغييرهم : (قَوَل) إلى : ( قال ) " ألا ترى أنهم لم يفعلوا ذلك ليجعلوه دليلا على معنى خلاف المعنى الذي يعطيه ( قول ) الذي هو الأصل لو استعمل " .
فابن عصفور – في هذا التقسيم – يريد أن يقدم تصورا لهذا العلم من خلال أقسامه ، فيرى للمباحث الصرفية جانبين .
أولهما : دراسة تلك التغييرات التي تحدث للصيغ وارتباطها في تغييرها بالمعاني التي تؤديها كل صيغة . ومن ثم تكون غاية هذا الجانب في البحث الصرفي هي تحديد العلاقة بين بنية الكلمة والمعنى الذي تدل عليه .
الجانب الثاني : فيعني بدراسة الأنماط من التغير التي تصيب الكلمات دون أن تكون ثمة رابطة بين هذا التغيير والمعنى ، فإن كلمة ( قال ) مثلا متغيرة إذ أصلها كلمة ( قول ) بيد أن هذا التغيير الذي أصاب كلمة (قال) لا يرتد إلى معنى ولا يرتبط بدلالة ، بل تطبيقاً لمجموعة من المؤثرات الصوتية والنظم المقطعية للغة العربية .
وكان ابن عصفور في هذا التقسيم يقول : إن مهمة علم الصرف دراسة كافة التغيرات التي تحدث للكلمة في بنيتها ، سواء كانت تمتد عن معاني تؤديها أو لا ترتد إلى شيء من المعاني فيها ، أي سواء كانت معبرة عن معاني لا سبيل إلى التعبير عنها بغير استعمالها أو لا علاقة بالمعاني لها .
2-يقول ابن الحاجب عثمان بن عمر : ( 571-646هـ )
" التصريف علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست إعراب "
أي أن هذا العلم يضم مجموعة القواعد العامة التي تدرس الكلمات في أبنيتها وليس من خلال علاقاتها . ويشرح الرضي : محمد بن الحسن ( المتوفى عام 688هـ) هذا التعريف فيقول : إن كلمة ( أصول ) إنما يعين بها القوانين الكلية المنطبقة على الجزئيات ، كقولهم مثلا : " كل واو أو ياء إذا تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ".
وأن المقصود من " أبنية الكلم " في التعريف هو وزنها ، وصيغتها ، وهيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها ، وهي عدد حروفها المرتبة وحركاتها المعينة ، وسكونها ، مع اعتبار الحروف الزائدة والأصلية كل في موضعه .
ويرى الرضي أن الحرف الأخير لا تعتبر حركته وسكونه ضمن أبنية الكلمة التي يدرسها علم الصرف ، ويمثل لذلك بكلمتي ( رجل ) و( جمل ) فرجل ، ورجلاً ، ورجلٍ على بناء واحد وكذلك : (جمل) على بناء : ضرب ، لأنه الحرف الأخير لحركة الإعراب وسكونه ، وحركة البناء وسكونه ، أي أن حركة الحرف الأخير من الكلمة ( أو السكون فيه ) لا تعد ضمن بنية الكلمة ، بل يدخلها الرضي ضمن آثار ما للكلمة من علاقات بغيرها من الكلمات .
وانطلاقاً من هذا التفسير يرى الرضي أنه لم يكن ثمة داع في التعريف لإضافة شرط كون أحوال أبنية الكلم ليست بإعراب ، لأن بناء الكلمة لا يعتبر فيه حالات آخر الكلمة ، والإعراب أمر يطرأ على آخر حروف الكلمة ، ومن ثم لا يدخل في أحوال الأبنية حتى يحترز منه .و ينتهي الرضي من هذه الملاحظة إلى الإشارة إلى تعريفين آخرين للصرف :
أولهما : أن الصرف هو أن تبني من الكلمة بناء لم تبنه العرب على وزن ما بنته ، ثم تعمل في البناء الذي بنته ما يقتضيه قياس كلامهم .
ومضمون هذا التعريف أن للصرف جانباً تطبيقيا علميا يجعله يتفق مع الاشتقاق في محاولته تلبية احتياجات الواقع اللغوي بابتكار صيغ لم تسمع عن العرب ، ولكن على نسق ما سمع عنهم ، كما لو فعلت إذا قلت مثلاً : (تلفز) ، للدلالة على ما يتصل بالتليفزيون، فإنك تجعل الكلمة على قياس : دحرج ومن ثم تعطي حكمها ، كذلك أيضاً ( قبقب)
الثاني : أنه علم بأبنية الكلمة ، وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة ، وحذف وصحة وإعلال ، وإدغام ، وإمالة ، وبما يعرض لآخرها مما ليس بإعراب ولا بناء .
وهو يقصد بما يعرض لآخر الكلمة مما ليس بإعراب ولا بناء الظواهر الخاصة بالإعلال والإبدال والقلب المكاني ونحوهما .
3-يقول ابن عقيل : بهاء الدين بن عقيل ( 698-769هـ )
" التصريف : عبارة من علم يبحث فيه عن أحكام بنية الكلمة العربية وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك "
وهذا التعريف الأخير هو الذي يؤثر المتاخرون ، ويقول السيوطي : جلال الدين عبد الرحمن (911هـ) " التصريف لغة : التقلب من حالة إلى حالة ، وهو مصدر ( صرّف) أي جعله يتقلب في أنحاء كثيرة وجهات مختلفة ومنه : { انظر كيف نصرف لهم الآيات } و { ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا } أي جعلناه على أنحاء متعددة ، أي : ليس ضرباً واحداً " وأما في اصطلاح النحاة ، فقال في التسهيل : " هو علم يتعلق ببنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة ، وصحة وإعلال ، وشبه ذلك " . ويقول الأشموني : التصريف هو " العلم بأحكام بنية الكلمة وبما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك "
.................................................. ..
التعريف بالتصريف تأليف الدكتور / علي أبو المكارم